يُشكل سيناريو "الصراع الممتد" في الشرق الأوسط أحد أخطر التهديدات للاقتصاد العالمي حالياً، حيث تتسع تأثيراته لتشمل أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة الدولية. ويؤدي استمرار التوترات الجيوسياسية، دون أفق للتهدئة، إلى موجة جديدة من ارتفاع أسعار النفط، وزيادة الضغوط التضخمية، وتراجع قدرة الاقتصاد العالمي على التعافي السريع وسط حالة من عدم اليقين.
تداعيات الصراع على الأسواق العالمية
بدأت تداعيات الصراع في الشرق الأوسط تنعكس بوضوح على الأسواق العالمية. فوفقاً لمحللين، تدفع اضطرابات الإمدادات، خاصة عبر الممرات الحيوية، بأسعار الطاقة إلى مستويات مرتفعة وتزيد من حالة عدم اليقين الاقتصادي. كما يهدد استمرار التوترات بتفاقم الضغوط على سلاسل التوريد، مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، مما ينعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية عالمياً، خاصة في الدول المستوردة للطاقة والغذاء.
تترقب الأسواق تطورات حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية. وأي تعطّل ممتد قد يدفع الأسعار لموجات صعود جديدة ويزيد من مخاطر التضخم عالمياً. وتضع هذه التطورات البنوك المركزية أمام تحديات معقدة بين احتواء التضخم ودعم النمو، في ظل تزايد المخاوف من تباطؤ الاقتصاد العالمي.
الاقتصادات الناشئة في قلب العاصفة
يواجه الاقتصادات الناشئة، ومن بينها مصر، تحديات واسعة بسبب الصراع الممتد. ويفرض غياب مؤشرات واضحة على قرب انتهاء الصراع استمرار الضغوط لفترة أطول. يمثل هذا السيناريو "مزيجاً من التحديات" في ظل اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وعدم وصول نسبة من إمدادات الطاقة إلى الأسواق بشكل منتظم، مما ينعكس في صورة تباطؤ اقتصادي عالمي، وارتفاع تكاليف النقل والشحن، وزيادة الضغوط التضخمية.
سيكون الأمن الغذائي من أكثر الملفات تأثراً، مما يتطلب تحرك الحكومات بشكل استباقي لضمان توافر السلع الأساسية، خاصة مع ارتباط الإنتاج الزراعي والصناعي بتكلفة الطاقة والأسمدة. وتستدعي المرحلة الحالية حزمة إجراءات عاجلة تشمل دعم القطاعات الإنتاجية والصناعية، وتوطين صناعات جديدة، وتحسين بيئة الاستثمار، إلى جانب إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية وتعظيم الاعتماد على الموارد المحلية وتقليل الاعتماد على الخارج.
توقعات بارتفاع أسعار النفط
يشير الخبراء إلى أن السيناريو قد يمتد إلى حرب استنزاف إقليمية، محذرين من الوصول إلى "نقطة اللا عودة" حيث تفقد الأسواق العالمية قدرتها على التكيف. تتمثل أولى التداعيات المباشرة في أزمة طاقة عالمية، خاصة إذا تأثرت الملاحة في مضيق هرمز. وقد يدفع ذلك الأسعار إلى مستويات تتراوح بين 100 و150 دولاراً للبرميل، مما سينعكس بقوة على أسعار السلع والخدمات عالمياً.
يدفع هذا المشهد كبار المستثمرين وصناديق الاستثمار إلى إعادة توجيه استثماراتهم نحو الملاذات الآمنة، وعلى رأسها الذهب، مع تصاعد المخاوف من اضطرابات حادة في الأسواق المالية. كما سيؤدي استمرار الصراع إلى موجة تضخمية عالمية جديدة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل سلاسل الإمداد، ما قد يجبر البنوك المركزية على الإبقاء على سياسات نقدية متشددة لفترة أطول، وهو ما يعزز قوة الدولار ويضغط على الأسواق الناشئة.
حذرت المديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجييفا، من أن استمرار الحرب، بالتوازي مع بقاء أسعار النفط عند مستويات 100 دولار أو أكثر للبرميل وتصاعد الضغوط التضخمية، يعني تحقق "السيناريو السلبي" الذي وضعه الصندوق. وتوقعت إمكانية صعود أسعار النفط إلى مستويات تقترب من 120 دولاراً للبرميل في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
وقد يصل الأمر إلى مستويات 150 دولاراً للبرميل، لكن هذه المستويات قد تقود إلى "تدمير الطلب"، حيث تتجه بعض الدول إلى بدائل أقل تكلفة مثل الفحم والطاقة المتجددة أو إعادة النظر في سياسات الطاقة. تستفيد شركات النفط والطاقة المتجددة من ارتفاع الأسعار، بينما تتضرر قطاعات الطيران والسياحة بشدة نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود.
