قصة هروب نجوم الجزائر: كيف أسسوا منتخبهم الوطني قبل مونديال 1958؟

قصة هروب نجوم الجزائر: كيف أسسوا منتخبهم الوطني قبل مونديال 1958؟

في صيف عام 1958، كانت فرنسا تستعد للمشاركة في كأس العالم بالسويد بمنتخب يعد من أقوى أجيالها، لكنها فوجئت باختفاء مفاجئ لعدد من نجومها الجزائريين. لم يكن الأمر مجرد هروب، بل كان بداية تأسيس منتخب وطني جزائري شكل مفارقة تاريخية بعد عقود.

الهروب الكبير قبل المونديال

قبل أسابيع قليلة من انطلاق مونديال 1958، وبعد انتهاء مباراة محلية، اتخذ عدد من اللاعبين الجزائريين الذين كانوا يلعبون في الدوري الفرنسي قراراً جريئاً. تحت جنح الظلام، توجهوا سراً نحو الحدود، ساعين للانضمام إلى الثورة الجزائرية وتكوين فريق يمثل بلادهم. كان هؤلاء اللاعبون، الذين كان يرتقب منهم تمثيل فرنسا في السويد، يحملون آمالاً وطنية أكبر.

من بين الأسماء التي اختارت هذا المسار، برز عبد العزيز بن طيفور، قدور بخلوفي، عبد الرحمن بوبكر، وعمار رويعي. أما مصطفى زيتوني، مدافع موناكو الواعد الذي تلقى عرضاً من ريال مدريد، فقد كان أحد أبرز الأسماء التي حاولت فرنسا إقناعها بالبقاء. لكنه، كغيره، اختار الانضمام إلى القضية الوطنية.

محمد بومزراق: العقل المدبر للعملية

وراء هذا التحرك، كان يقف محمد بومزراق، الرجل الذي نسق العملية بعناية. بعد أن لعب في الدوري الفرنسي واتجه للتدريب، أصبح بومزراق مسؤولاً في الاتحاد الفرنسي. لكن رؤيته تغيرت عندما شاهد الوفد الجزائري يرفع علمه الوطني في موسكو عام 1957. استلهم بومزراق فكرة تكوين فريق جزائري من نجوم الدوري الفرنسي، وحصل على تفويض سري من عمر بوداود، رئيس فيدرالية فرنسا لجبهة التحرير الوطني، لبدء المهمة.

بدأ بومزراق بالتواصل مع اللاعبين بشكل فردي، مستخدماً عبارة ثابتة: "اسمي بومزراق. أنا من فيدرالية فرنسا لجبهة التحرير. نحتاجك. الجزائر تحتاجك. كن مستعداً." واجه بومزراق تحدياً كبيراً في إقناع اللاعبين، خاصة مصطفى زيتوني الذي كان لديه ارتباطات عائلية في فرنسا. لكنه في النهاية نجح في إقناع معظمهم.

صدمة في فرنسا وردود الفعل الدولية

تحول اختفاء اللاعبين إلى فضيحة رياضية في فرنسا. تصدرت الخبر الصحف الكبرى، ووصفت بعضها اللاعبين بأنهم "فلاقة"، أي مقاتلين في صفوف المقاومة. أصدرت جبهة التحرير في تونس بياناً أكدت فيه أن اللاعبين لم يغادروا فرنسا هرباً، بل للنضال من أجل الاستقلال.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد. اعترض الاتحاد الفرنسي لكرة القدم على تأهيل اللاعبين في أي اتحاد وطني، مما دفع الفيفا لمعاقبة أي بلد يواجه الفريق الوطني الجزائري. حتى عندما قبلت تونس والمغرب استضافة الفريق في بطولة ودية، عطلت الفيفا طلبات انضمامهما للاتحاد الدولي، وعاقبت الاتحاد المغربي بالحرمان من المنافسات الدولية لمدة عام.

مسيرة الفريق الوطني الجزائري

بين عامي 1958 و1962، خاض الفريق الوطني الجزائري حوالي 83 مباراة في 14 بلداً، محققاً 57 انتصاراً. بدأت مسيرة الفريق في تونس، حيث امتلأت المدرجات بجنود جيش التحرير الوطني الجزائري، بعضهم لا يزال يتعافى من إصابات الحرب. هذه المباريات لم تكن مجرد لقاءات رياضية، بل كانت رسالة صمود وإصرار على الحرية والاستقلال.

في المقابل، وبعد مرور ما يقرب من 40 عاماً على هذه الأحداث، وفي عام 1998، توجت فرنسا بلقب كأس العالم للمرة الأولى في تاريخها، بفضل أداء زين الدين زيدان، ابن المهاجرين الجزائريين، الذي سجل هدفين في المباراة النهائية. مفارقة تاريخية ربطت بين ماضي الجزائر الكفاحي وحاضر فرنسا الكروي.