قصة هروب نجوم الجزائر: كيف أسسوا منتخبهم الوطني قبل مونديال 1958؟

قصة هروب نجوم الجزائر: كيف أسسوا منتخبهم الوطني قبل مونديال 1958؟

الهروب الكبير قبل مونديال السويد

في أبريل 1958، وقبل أسابيع قليلة من انطلاق نهائيات كأس العالم في السويد، شهدت الكرة الفرنسية حدثاً هز أركانها، حيث اختفى فجأة عدد من أبرز اللاعبين الجزائريين المحترفين في الدوري الفرنسي. كان هؤلاء اللاعبون، ومن بينهم أسماء كانت مرشحة بقوة لتمثيل المنتخب الفرنسي في المونديال، قد اتخذوا قراراً سرياً بالهروب من فرنسا للالتحاق بصفوف الثورة الجزائرية وتأسيس منتخب وطني يمثل القضية الجزائرية عالمياً.

وفقاً للمؤرخ لوران دوبوا في كتابه "إمبراطورية كرة القدم: كأس العالم ومستقبل فرنسا"، شملت قائمة اللاعبين الذين غادروا سراً كلاً من عبد العزيز بن طيفور، قدور بخلوفي، وعبد الرحمن بوبكر من نادي موناكو، بالإضافة إلى عمار رويعي من نادي أنجيه. كما برز اسم المدافع مصطفى زيتوني، نجم موناكو الذي كان هدفاً لنادي ريال مدريد الإسباني، والذي استقل طائرة ليلاً متوجهاً إلى إيطاليا ومنها إلى تونس، متجاوزاً نقاط التفتيش الحدودية ليلتحق برفاقه في تونس حيث كانت قيادة جبهة التحرير الوطني.

محمد بومزراق والعقل المدبر للعملية

كان محمد بومزراق، وهو لاعب سابق في الدوري الفرنسي ومدرب اتجه للعمل الإداري، هو العقل المدبر لهذه العملية الجريئة. استلهم بومزراق فكرته بعد مشاهدته لوفد جزائري يرفع العلم الوطني في مهرجان الشباب العالمي بموسكو عام 1957، مما دفعه للحصول على تفويض سري من عمر بوداود، رئيس فيدرالية فرنسا لجبهة التحرير الوطني، للبدء في تجميع هؤلاء النجوم.

اعتمد بومزراق استراتيجية التواصل الفردي مع اللاعبين، حيث كان يقترب منهم في أوقات متفرقة بعد المباريات، مستخدماً عبارته الشهيرة: "اسمي بومزراق. أنا من فيدرالية فرنسا لجبهة التحرير. نحتاجك. الجزائر تحتاجك. كن مستعداً". واجه بومزراق تحديات كبيرة، خاصة مع مصطفى زيتوني الذي كان مرتبطاً بعائلة في فرنسا، لكنه نجح في إقناعه بعد أن أشاع زيتوني خبر انفصاله عن زوجته لتمويه رحيله. لم تخلُ العملية من إخفاقات، حيث أوقفت السلطات الفرنسية اللاعب حسن الشابري على الحدود الفرنسية الإيطالية، وحكمت عليه بالسجن لمدة عام.

تداعيات سياسية ورياضية دولية

أحدث هروب اللاعبين صدمة واسعة في الأوساط الرياضية والسياسية الفرنسية، حيث تصدرت الأخبار عناوين الصحف الكبرى مثل "ليكيب" و"باريس ماتش"، التي وصفت اللاعبين بـ"الفلاقة"، وهو مصطلح كان يطلق على مقاتلي المقاومة الجزائرية. ردت جبهة التحرير الوطني ببيان رسمي أكدت فيه أن هؤلاء اللاعبين لم يهربوا بحثاً عن عقود احترافية، بل للنضال من أجل استقلال الجزائر.

اتخذ الاتحاد الفرنسي لكرة القدم إجراءات تصعيدية عبر مخاطبة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، مطالباً بمنع هؤلاء اللاعبين من اللعب لأي اتحاد وطني آخر. استجابت الفيفا بفرض عقوبات قاسية على أي دولة تستضيف الفريق الوطني الجزائري، مما أدى إلى تعطيل انضمام اتحادات تونس والمغرب إلى الفيفا حتى أغسطس 1960، كما عوقب الاتحاد المغربي بالحرمان من المنافسات الدولية لمدة عام كامل بسبب استقباله للفريق الجزائري.

مسيرة الفريق الوطني الجزائري (1958-1962)

بين عامي 1958 و1962، خاض المنتخب الجزائري 83 مباراة في 14 دولة، محققاً 57 انتصاراً، مقابل 14 تعادلاً و12 هزيمة. كانت المباريات تقام وسط أجواء حماسية، حيث امتلأت المدرجات بجنود جيش التحرير الوطني، وكان من بينهم جرحى الحرب الذين كانوا يحضرون المباريات بضماداتهم أو عكاكيزهم، مما حول اللقاءات الرياضية إلى رسالة صمود سياسي.

تظل هذه الحقبة التاريخية مفارقة كبرى، حيث ربطت بين نضال الجزائريين في الخمسينيات وبين تتويج فرنسا بكأس العالم عام 1998 بقيادة زين الدين زيدان، ابن المهاجرين الجزائريين، بعد 40 عاماً من تلك الأحداث التي غيرت مسار الرياضة والسياسة في البلدين.