طالب مدنيون في الساحل السوري بالحماية الروسية، وعبر عشرات من أهالي الساحل إثر تجمع أمام قاعدة مطار "حميميم" عن مخاوفهم من تصاعد الاقتتال الداخلي، وسط مناشدات بالتدخل لحقن الدماء، ودعوات إلى الأمم المتحدة وروسيا والمجتمع الدولي لحمايتهم، وفوق تلال الجبال الساحلية المطلة على البحر المتوسط في سوريا، لا صوت يعلو على صوت الرصاص، بعد معارك ضروس أدخلت الرعب في نفوس السكان، بينما قرار حظر التجوال لا يزال ساريًا، وبدا واضحًا أنه لا مكان لصوت الحكمة حقنًا لدماء السوريين بعدما فجرها كمين لمجموعة مسلحة من فلول النظام أسفر عن 16 قتيلًا من أفراد الأمن العام الحكومية، وفقًا لصحيفة واشنطن تايمز الأمريكية.
وللمرة الأولى منذ اندلاع الحرب السورية عام 2011 تقصف قرى في اللاذقية عبر مروحيات الجيش السوري، بعدما ظلت هذه المروحيات تقصف الشمال في إدلب، وأماكن تجمعات النازحين قسرًا من بيوتهم، هكذا يقول مصدر ميداني من أفراد الجيش الحكومي كان شاهدًا على معركة السادس من مارس الجاري.
هجوم (بيت عانا)
وفي التفاصيل وبعد متابعة من قوات الأمن وملاحقتها لشخصيات بارزة في الجيش والأمن بنظام الأسد شن أفرادها حملة أمنية في قرية بيت عانا، وهي مسقط رأس جنرال سابق في الجيش السوري وقائد الفرقة 25 مهام خاصة، ودار اشتباك واسع، ولصعوبة الموقف تدخل للمرة الأولى الطيران المروحي الحربي للمشاركة في الحملة، حيث تمكن أفراد القوى الأمنية من اعتقال رئيس الإدارة العامة في جهاز الاستخبارات الجوية السابق، إبراهيم حويجة (برتبة لواء).
ورغم التزام الجيش الروسي الصمت والحياد حيال التطورات الأخيرة في سوريا بعد هرب بشار الأسد، وسقوط النظام في الثامن من ديسمبر الماضي، شوهدت أثناء العملية العسكرية طائرات حربية روسية على علو منخفض في أماكن الحملة الأمنية، ويبدو أنها أرغمت المروحيات الحربية على الانسحاب، بينما انتقلت الاشتباكات العنيفة إلى المناطق الواقعة بقاعدة حميميم الروسية بريف جبلة، باللاذقية تخللها قصف مدفعي مع سماع لأصوات صفارات الإنذار من داخل القاعدة الروسية.
مناشدات حقن الدماء
في غضون ذلك طالب مدنيون في الساحل السوري بالحماية الروسية، وعبر عشرات من أهالي الساحل إثر تجمع أمام قاعدة مطار "حميميم" عن مخاوفهم من تصاعد الاقتتال الداخلي، وسط مناشدات بالتدخل لحقن الدماء، ودعوات إلى الأمم المتحدة وروسيا والمجتمع الدولي لحمايتهم، كما جاء في بيان لعلماء الطائفة "نتوجه إلى شيخ عقل المسلمين الموحدين الدروز الشيخ حكمت الهجري بطلب مساندتنا ورفع الظلم عنا".
وحول إمكانية تدخل روسيا لتأمين الحماية في الساحل تحدث من موسكو لصحيفة الإندبندنتـ مدير مركز "جي أس أم" للدراسات، آصف ملحم، حيث يرى أنه "بعد سقوط النظام لم يعد الشعب في صراع مع النظام بل بات اليوم في صراع مع نفسه"، ولا يستبعد إمكانية تدخل روسيا في حال تطورت الأمور.
يقول ملحم، "من الممكن أن تضغط روسيا باستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي لإنهاء حال الإرهاب في سوريا رغم أن قرار المجلس 2254 ينص بوضوح على أنه لا بد من إنهاء الإرهاب في سوريا لا سيما وجود المقاتلين الأجانب ومجموعات لا تزال مصنفة دوليًا على أنها منظمات إرهابية، ولم تزل ضمن قوائم الإرهاب حتى بعد سقوط النظام، ولذلك فإن الفرصة الوحيدة أمام موسكو هو تفعيل هذا القرار بشكل أو بآخر، بالتوافق مع الولايات المتحدة الأميركية، وخصوصًا أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد كل الجماعات المتطرفة".
ويرى مدير مركز الأبحاث الروسية أنه "إذا حظي هذا التحرك بإجماع عربي ودولي، لا سيما من قبل دول محورية مثل مصر والسعودية والعراق، بالتأكيد يمكن أن تتدخل روسيا الاتحادية عسكريًا بعد اجتماع مجلس الأمن الدولي".
في المقابل يستبعد العقيد عبدالجبار العكيدي، وهو من أوائل الضباط المنشقين عن جيش النظام السابق في حديث خاص، قبول روسيا طلب الحماية من الطائفة العلوية وهي حاليًا منتظمة في مرحلة مفاوضات مع الحكومة السورية لإبقاء قواعدها العسكرية في سوريا.
ما يحدث في الساحل السوري؟
ووفقًا لصحيفة الإاندبندنت البريطانية، تدور مفاوضات بين دمشق وموسكو تتمحور بصورة مباشرة حول ديون سوريا المستحقة سدادها لروسيا الاتحادية، وتراوح ما بين 20 و23 مليار دولار، ومن المرجح حل المعضلة عبر إلغاء الديون المستحقة أو في الأقل إعادة هيكلتها، وتعديل شروطها مقابل انفتاح على استمرار الوجود العسكري الروسي في البلاد، بالتوازي مع إجراء مكالمة هاتفية بين الرئيس السوري، أحمد الشرع ونظيره الروسي فلاديمير بوتين.
ويدور الحديث عن دعم خارجي يتلقاه شخصيات النظام السابق الأمنية أدت إلى تشكيل مجلس تحرير سوريا، وسبقه لواء درع الساحل، ومعظم عناصره رفضوا تسليم السلاح للسلطات، ويبرر مراقبون للشأن السوري حدوث ذلك باتهامهم بأعمال تصفية، وأعمال عنف بعد عام 2011 وسط معلومات واردة عن مطالب بفتح حدود لبنان للهرب، بينما تحدثت مصادر عن إمكانية السماح لهذه الشخصيات باللجوء إلى القاعدة الروسية.
ويضع الباحث في القانون الدولي فراس حاج يحيى، التدخلات الخارجية في سلم العوامل المسببة لإثارة الفوضى من بعض الدول الإقليمية بهدف التشويش على عملية الانتقال السياسي في سوريا التي لا تزال مستمرة.
ويعتقد حاج يحيى بدور إيراني من خلال أذرعها في سوريا، وكذلك إسرائيل وبعض حلفائها مستغلين حال ضعف العهد السوري الجديد عسكريًا، وتشتته على أربعة محاور، الأول داخلي لبسط الأمن في مختلف المحافظات السورية والثاني جبهة شمال شرقي سوريا مع (قسد) والثالث جنوب سوريا واليوم محور جديد في الساحل بإيعاز إيراني على ما يبدو، ودور روسي لا يزال غير معلن بهدف زعزعة الاستقرار في سوريا ومحاولة تفتيتها بادعاء حماية الأقليات، بحسب رأيه.
حكومة لون واحد
يعتقد الباحث آصف ملحم أن ما يحدث في الساحل السوري يشير إلى حال احتقان بسبب عدم إيفاء الحكومة الحالية بوعودها، وفصلها أعدادًا كبيرة من الموظفين، وقسم كبير منهم لم يتلق أجورهم، فضلًا عن ملاحقة المطلوبين وتعامل أفراد الأمن العام باقتحام المنطقة بطريقة مرعبة للمدنيين وهذا ما حصل في قرية عين الشمس، بحسب قوله.
وأضاف، "اعتقلوا طلاب جامعة لا علاقة لهم بالنظام السابق، وباتت عبارة (فلول النظام) تهمة جاهزة، إضافة للظروف المعيشية المعقدة والصعبة، لهذا من الطبيعي أن نشهد تحرك بعض من أبناء الطائفة العلوية التي تتعرض للظلم والاضطهاد أكثر من غيرها من أبناء مكونات الشعب السوري لا سيما الدروز في الجنوب، أو الأكراد في الشمال والشمال الشرقي إذ لم تقتحم كل تلك المناطق".
ويتفق الباحث بالقانون الدولي فراس حاج يحيى حول ما أكده ملحم منوهًا إلى تقصير الحكومة الجديدة لكنه يبرر ذلك بأن العهد الجديد لديه ملفات متعددة يعمل عليها في مرحلة بناء الدولة الجديدة الخارجة من أتون حرب طويلة، ولديه ملفات داخلية وخارجية معقدة لا يمكن أن نطلب منه في ثلاثة أشهر حل مشكلات 14 عامًا من الحرب والمشكلات الاقتصادية والأمنية والعقوبات وغيرها.
وأردف "مؤتمر الحوار شابه بعض الملاحظات لكن مخرجاته كانت على مسافة واحدة من كل السوريين وحضره سوريون من كل الأطياف وفي كل المحافظات، وسبقه جلسات حوار امتدت فترة جيدة من الزمن وإن لم تكن طويلة، وعلى أي الأحول فالحكومة الحالية هي حكومة تصريف أعمال، والتعويل على الحكومة الانتقالية القادمة بأن تكون شاملة وتضم كل مكونات الشعب السوري".
0 تعليق