غياب طويل وتساؤلات مؤسسية
مرت 161 يوماً منذ آخر ظهور علني مؤكد للمرشد الأعلى في إيران، مجتبى خامنئي، في 8 مارس الماضي، مما يضع النظام الإيراني أمام مفارقة سياسية لم يعهدها منذ عقود. هذا الغياب الطويل عن المشهد العام، باستثناء رسائل مكتوبة أو مقاطع فيديو غير موثقة، أثار تساؤلات جوهرية حول آلية اتخاذ القرار في طهران، حيث تعتمد الدولة حالياً على واجهات سياسية تنوب عن المرشد في تفسير إرادته.
شهدت هذه الفترة إصدار مراسيم وقرارات مصيرية باسم المرشد، كان أبرزها تعيين ستة من كبار القادة العسكريين في القوات المسلحة والحرس الثوري الإيراني في العاشر من أغسطس 2026، بالإضافة إلى تعيين محسن رضائي ممثلاً له في مجلس الأمن القومي. ورغم محاولات وكالة "مهر" بث مقطع فيديو مقتضب للمرشد في جلسة تديني، إلا أن المقطع افتقر للتاريخ والمكان والصوت، مما عزز الشكوك حول حقيقة وضعه الصحي ومكانه.
تضارب الروايات الرسمية واللقاءات الغامضة
شهدت الأسابيع الأخيرة تخبطاً واضحاً في تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بشأن تواصله مع المرشد، حيث تراوحت تصريحاته بين وصف التواصل بـ"الصعب جداً" وبين ادعاء عقد لقاء استمر لسبع أو ثماني ساعات. في المقابل، نقلت قناة "إيران إنترناشيونال" عن مصادرها أن الرئيس اقتيد إلى موقع سري وجلس في سيارة مظلمة لدقائق مع شخص عُرض عليه على أنه المرشد، وسط منع الحراس له من المصافحة، وهو ما دفع بزشكيان لاحقاً للتشكيك في هوية الشخص الذي قابله.
تتعدد الروايات حول أسباب هذا الاختفاء، حيث يرجح مراقبون دوليون وجود هواجس أمنية مفرطة بعد مقتل خامنئي الأب في 28 فبراير، أو تعرض مجتبى لإصابات بالغة لم يتعاف منها، وهو ما تدعمه تقارير عن إصابات متفرقة ككسور في القدم أو تشوهات في الوجه. في المقابل، تبرر أوساط موالية للنظام الغياب بضرورات أمنية وتقنية لمنع تتبع مكان المرشد عبر الوسائل التكنولوجية، مؤكدة أن أجهزة الاستخبارات قادرة على كشف موقع أي تسجيل صوتي عبر الترددات.
نفوذ الحرس الثوري في ظل الغياب
تشير التحليلات السياسية إلى أن غياب المرشد الجسدي عزز بشكل مباشر نفوذ الحرس الثوري الإيراني، الذي بات الجهة الوحيدة القادرة على تفسير "إرادة الغائب" وتحويلها إلى قرارات سياسية وعسكرية نافذة. وقد تجلى هذا النفوذ في دفع البرلمان نحو تشريعات تهدف لتعزيز السيطرة على مضيق هرمز، حيث اعتبر مسؤولون إيرانيون أن المضيق يمثل قيمة استراتيجية تفوق القنبلة الذرية.
أدى هذا النمط من الحكم إلى إزاحة مسؤولين اعترضوا على تفسيرات معينة لتوجهات المرشد، مثل أمين مجلس الأمن القومي السابق محمد باقر زلجدر، الذي استُبعد بعد اعتراضه على تصريح منسوب للمرشد بشأن مذكرة تفاهم مع واشنطن. وبات المشهد السياسي في طهران يُدار عبر رسائل مكتوبة تنسب لمرشد لا يراه أحد، مما يمنح الطرف صاحب النفوذ العسكري الأكبر حرية أكبر في صياغة السياسة الرسمية للدولة، في انتظار تطورات قد تكشف عن توقيت إظهار المرشد أو استمرار نهج الإخفاء.
