تراجع الغطاء النباتي وتأثيراته المناخية
أظهرت دراسة بحثية نُشرت في يوليو 2026 بعنوان «الديناميات الزمانية والمكانية للغطاء النباتي في مصر واستجاباته المناخية غير الخطية»، انخفاضاً في متوسط الغطاء النباتي بنسبة 12.60% خلال الفترة ما بين 1985 و2020. وأشار الباحثون إلى أن وتيرة التراجع تسارعت بشكل ملحوظ بعد عام 2000، مؤكدين أن درجة حرارة الهواء تعد العامل المناخي الأكثر تأثيراً على هذه التغيرات، حيث توجد عتبة حرارية عند 18.20 درجة مئوية؛ إذ يؤدي تجاوزها إلى زيادة الإجهاد المائي وإعاقة نمو النباتات.
وأوضح التحليل المعتمد على صور الأقمار الصناعية أن الغطاء النباتي مرتفع الكثافة لا يمثل سوى 8.87% من إجمالي مساحة مصر. ورغم استقرار نحو 93.14% من مساحة البلاد، إلا أن التراجع ظهر بشكل متفرق في المناطق الانتقالية بين الواحات والصحراء، بينما شهدت مناطق حوض النيل والدلتا تحسناً نسبياً، مما يؤكد أن الأنشطة البشرية تلعب دوراً محلياً بارزاً إلى جانب العوامل المناخية العامة.
ضغوط التوسع العمراني في القاهرة
تتعرض المساحات الخضراء في القاهرة الكبرى لضغوط متزايدة نتيجة مشروعات البنية التحتية وتوسعة الطرق. وأشارت دراسة صادرة عام 2022 إلى أن القاهرة فقدت نحو 910,894 متراً مربعاً من مساحاتها الخضراء بين عامي 2017 و2020، مما أدى إلى انخفاض نصيب الفرد من المساحات الخضراء من 0.87 متر مربع في 2017 إلى 0.74 متر مربع في 2020، علماً بأن المدينة فقدت إجمالاً نحو 2.13 مليون متر مربع منذ عام 2006.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور عمرو ربيع، رئيس قسم الأشجار الخشبية بمعهد بحوث البساتين، أن الأشجار تلعب دوراً حيوياً في خفض درجات الحرارة داخل المدن وتلطيف الأجواء، مشيراً إلى أن التشجير يخفض الحرارة بما لا يقل عن 6 درجات مئوية. وأوضحت دراسة أخرى نُشرت في أبريل 2024 أن زيادة نسبة تغطية الأشجار في الشوارع إلى ما بين 35% و50% يمكن أن تسهم في خفض مؤشر الإجهاد الحراري بشكل ملحوظ، مما يقلل من الحاجة لاستخدام أجهزة التكييف بنحو 20%.
فقدان الأراضي الزراعية في الدلتا
لا يقتصر التراجع على المدن، إذ رصدت دراسة نُشرت في 12 أبريل 2025 فقدان محافظة كفر الشيخ لنحو 91.5 كيلومتر مربع من أراضيها الزراعية بين عامي 2010 و2018، مرجعة ذلك بشكل رئيسي إلى التوسع العمراني غير المنظم. كما سجلت الدراسة انخفاضاً في مساحة المحمية الطبيعية لبحيرة البرلس بنحو 6.3%، مما يعكس تحديات بيئية واسعة النطاق تتطلب استراتيجيات وطنية للتعامل معها.
وشدد الدكتور عمرو ربيع على أهمية تبني استراتيجية شاملة تتضمن:
- اختيار أنواع الأشجار الملائمة لكل إقليم مناخي لضمان استدامتها.
- استخدام تقنيات ري فعالة، خاصة أن الأشجار يمكنها النمو باستخدام مياه الصرف المعالجة.
- البحث عن بدائل هندسية لتغيير مسارات الطرق قبل اتخاذ قرارات إزالة الأشجار القائمة.
- التوسع في زراعة مصدات الرياح حول الأراضي الزراعية لزيادة المحاصيل بنسبة تتراوح بين 10% و20%.
وأشار ربيع إلى أن معدل نمو الأشجار في مصر قد يصل إلى أربعة أضعاف نظيره في أوروبا بفضل المناخ الحار، مما يجعل التوسع في التشجير، بما في ذلك مبادرة زراعة 100 مليون شجرة، ضرورة لتحسين جودة الحياة ومواجهة التغيرات المناخية.
