توقعات النمو العالمي في ظل التوترات الجيوسياسية
أصدرت مؤسسة بلومبرج إيكونوميكس تقريراً حديثاً يشير إلى احتمالية تباطؤ وتيرة نمو الاقتصاد العالمي خلال الفترة المقبلة، متأثرة بتداعيات الصراع في منطقة الشرق الأوسط على أسواق الطاقة والتجارة الدولية. وتشير التقديرات إلى أن معدل النمو قد لا يتجاوز 2.9% في عام 2026، وهو ما يمثل تراجعاً عن مستوى 3.4% المسجل في العام الماضي، ليصبح بذلك أضعف وتيرة نمو منذ عام 2020. وتعتمد المؤسسة في توقعاتها على سيناريو أساسي يفترض استمرار صراع منخفض الحدة يتأرجح بين التهدئة والتصعيد، في وقت لا تزال فيه أسعار النفط تتحرك دون مستوى 100 دولار للبرميل بفضل حالة من وقف إطلاق النار الهش.
مؤشرات التضخم ومسارات السياسة النقدية
وفقاً لتحليلات بلومبرج إيكونوميكس، من المتوقع أن يصل التضخم العالمي إلى ذروته عند حوالي 4.2% في الربع الرابع من عام 2026، مقارنة بنحو 3.1% في نهاية العام الماضي. يُعزى هذا الارتفاع بشكل أساسي إلى زيادة أسعار الطاقة، وارتفاع تكاليف الشحن، وزيادة أسعار مدخلات الإنتاج، والتي بدورها تؤثر على أسعار السلع الغذائية والخدمات. في هذا السياق، تتجه البنوك المركزية إلى ترجيح تثبيت أسعار الفائدة خلال الربع الثاني من العام، قبل البدء في دورة خفض تدريجية، سعياً لتحقيق توازن دقيق بين مكافحة مخاطر التضخم وتجنب تفاقم تباطؤ النمو الاقتصادي.
وتشير تقديرات المؤسسة إلى أن الفجوة الاقتصادية بين سيناريو التصعيد الحاد في التوترات وعودة الاستقرار قد تتجاوز تريليون دولار من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وقد أظهر متتبع النمو العالمي التابع للمؤسسة، والذي يعتمد على خوارزميات تعلم آلي لقياس أداء 18 اقتصاداً متقدماً وناشئاً، تباطؤاً حاداً في الزخم الاقتصادي خلال شهر مارس الماضي، مما يعكس انعكاساً سريعاً في الأداء بعد بداية قوية للعام.
تأثيرات متباينة على الاقتصادات الكبرى
يتميز تأثير التوترات الجيوسياسية على النمو العالمي بالتعقيد، حيث تستفيد بعض الدول المنتجة للنفط مثل الولايات المتحدة وروسيا والمملكة العربية السعودية من ارتفاع أسعار الطاقة. في المقابل، تتحمل الاقتصادات المستوردة للطاقة، مثل الاتحاد الأوروبي والصين والهند، عبئاً أكبر نتيجة لهذه الزيادات في التكاليف. وقد أظهرت البيانات الأولية ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار المستهلكين في أوروبا، وتسارعاً في معدلات التضخم داخل الولايات المتحدة، مدفوعاً بارتفاع تكاليف الوقود والطاقة، مع توقعات بانتقال هذه التأثيرات تدريجياً إلى قطاعات النقل والسلع الوسيطة.
سيناريوهات النمو الاقتصادي المستقبلية
تستعرض بلومبرج إيكونوميكس ثلاثة سيناريوهات رئيسية لتطور النمو الاقتصادي العالمي، حيث يبقي السيناريو الأساسي النمو عند 2.9% في عام 2026. أما سيناريو التصعيد الحاد في التوترات، فيمكن أن يؤدي إلى تراجع النمو إلى 2.2% فقط، بينما قد يتيح وقف إطلاق نار مستقر وعودة الهدوء فرصة لعودة النمو إلى 3.1%. وتواجه البنوك المركزية الكبرى، مثل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، والبنك المركزي الأوروبي، وبنك إنجلترا، وبنك اليابان، مسارات متباينة في التعامل مع أسعار الفائدة، تتراوح بين التثبيت، أو التشديد، أو العودة التدريجية إلى سياسات الخفض، وذلك بناءً على مدى حدة تأثيرات أزمة الطاقة على اقتصاداتها.
