تباينت آراء الخبراء الاقتصاديين حول قرار الحكومة بتبكير مواعيد غلق المحال التجارية، حيث اعتبره البعض ضرورة ملحة لاحتواء أزمة الطاقة وتقليل الضغط على فاتورة استيراد الوقود، بينما حذر آخرون من انعكاساته السلبية المحتملة على النشاط الاقتصادي المحلي ومستويات الدخل.
حل اضطراري لإدارة أزمة الطاقة
يرى الدكتور فخري الفقي، أستاذ الاقتصاد، أن قرار تبكير غلق المحال التجارية يجب أن يُقرأ في سياق إدارة أزمة الطاقة، وليس كإجراء اقتصادي تقليدي. وأوضح أن الحكومة لجأت إلى هذا الخيار كـ"حل أخير" بعد استنفاد أدوات أخرى مثل رفع أسعار الوقود وزيادة تكلفة الكهرباء، خاصة مع تجاوز الأسعار التقديرية في الموازنة لمستوياتها المستهدفة.
وذكر الفقي أن هذا النوع من الغلق يُعد "جزئيًا" وليس شاملًا كما حدث خلال جائحة كورونا، ومن ثم، يظل تأثيره على النشاط الاقتصادي محدودًا نسبيًا مقارنة بالإغلاق الكلي، لكنه يظل مؤثرًا. وأشار إلى أن هذا الإجراء يهدف إلى ترشيد استهلاك الكهرباء، مما ينعكس بدوره على تقليل فاتورة استيراد الوقود، خاصة الغاز.
في سياق متصل، أشار الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة إلى أن قرار الإغلاق المبكر للمحال التجارية يستهدف ترشيد استهلاك الكهرباء لتخفيف الضغط على الشبكة بنسب تصل إلى 3% لتقليل فاتورة استيراد وقود تشغيل محطات الكهرباء. وأضاف أن الترشيد يأتي على حساب إيرادات المحال التجارية ودخول العاملين بها، ما قد يمتد تأثيره إلى النشاط الاقتصادي ككل.
مخاوف من تباطؤ النمو الاقتصادي
من ناحية أخرى، حذر الدكتور مدحت نافع، أستاذ الاقتصاد، من أن الحزمة التقشفية التي تتبناها الدولة حاليًا هي "دواء مرّ" فرضته الضرورة المالية القصوى، لا سيما مع التوسع الخطير في الفجوة بين تكاليف توفير الطاقة وأسعار تداولها محليًا.
وأوضح نافع أن اللجوء لرفع أسعار الطاقة وتقييد الاستهلاك سلاح ذو حدين، فبينما يقلص العجز المالي، فإنه يضغط على "محرك النمو" الرئيسي وهو الاستهلاك. وحذر من الإفراط في هذه السياسات، إذ قد تؤدي إلى ركود تضخمي، حيث تجتمع مرارة الغلاء مع جمود النشاط الاقتصادي.
وأشار نافع إلى أن غول خدمة الدين يبتلع غالبية الإيرادات، مما يجعل أثر أي إجراء تقشفي حكومي محدودًا وتجميليًا في جوهره ولا يمس صلب الأزمة الهيكلية. وذكر أن الاعتماد على الشراء من السوق الفورية "Spot Market" لتأمين احتياجات الطاقة وغياب عقود التحوط طويلة الأجل عرّض الدولة لصدمات سعرية، وهو ما كان يمكن تلافيه بآليات لامتصاص تقلبات الأسواق العالمية.
بدائل سياسات الطاقة وترشيد الاستهلاك
فيما يتعلق بالبدائل، أشار الفقي إلى أن الدولة تتحرك بالتوازي في مسارات أخرى أكثر استدامة، مثل التوسع في الطاقة المتجددة، سواء من خلال مشروعات الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، إلى جانب مشروعات الطاقة النووية، وهو ما يعزز من قدرة الاقتصاد على تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري مستقبلاً.
وأوضح أن جزءًا من نجاح هذه السياسات يرتبط بوعي المواطنين، موضحًا أن ترشيد الاستهلاك لا يقتصر على قرارات حكومية، بل يحتاج إلى استجابة مجتمعية، خاصة في ظل التحديات الإقليمية الحالية.
ولفت بدرة إلى أن البدائل المطروحة حال استمرار الأزمات قد تشمل رفع أسعار الكهرباء أو العودة إلى تطبيق خطط تخفيف الأحمال، ذاكرًا أن تلك الخيارات تحمل تداعيات اقتصادية واجتماعية.
وكان رئيس الوزراء قد قرر في 27 مارس الماضي إلزام غلق المحال التجارية في 9 مساءً، ثم مدّ أجل القرار في 9 أبريل إلى نهاية الشهر الحالي، على أن يكون الإغلاق في 11 مساءً.
