تتجاوز تداعيات الصراع الحالي بين إيران والقوى الغربية الحدود العسكرية والجيوسياسية، لتصبح محركاً رئيسياً يعيد تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي. تتداخل صدمات الإمدادات مع اضطرابات سلاسل التوريد، مما يخلق واقعاً جديداً تتحرك فيه أسعار النفط والذهب والدولار وفق معادلة معقدة من المخاطر والتوقعات.
صدمة الإمدادات وتأثيرها على أسعار النفط
منذ اندلاع المواجهات، شهدت الأسواق العالمية تقلبات حادة، لا سيما مع الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز، الذي يمر عبره حوالي 20% من إمدادات النفط العالمية. أدت هذه التطورات إلى انخفاض المعروض بنحو 10.1 مليون برميل يوميًا، وهي واحدة من أكبر صدمات الإمدادات في التاريخ الحديث.
ارتفعت أسعار خام برنت إلى حوالي 105 دولارات للبرميل في أبريل 2026، وسط محاولات هدنة متعثرة وتذبذب في مسار المفاوضات، مما زاد من حالة عدم اليقين. تشير تقارير وكالة الطاقة الدولية إلى أن سوق النفط لا يواجه نقصاً في المعروض فحسب، بل ظواهر أكثر تعقيداً مثل "تدمير الطلب"، حيث يعجز المستهلكون عن تحمل الأسعار المرتفعة.
انفصال الأسعار وسيناريوهات مستقبل النفط
تسجل الأسواق حالة "انفصال" بين أسعار العقود الآجلة وأسعار الشحنات الفعلية، مما يعكس فجوة بين التوقعات والواقع. تستمر الأزمة في دفع الأسعار نحو مستويات قد تتجاوز 150 دولاراً للبرميل في حال تفاقم العجز العالمي. يعتبر شهر مايو نقطة فاصلة لتحديد ما إذا كانت الأسواق ستعود للاستقرار أم ستنزلق نحو أزمة طاقة ممتدة.
يؤكد خبراء أن مضيق هرمز سيظل العامل الحاسم في تحديد اتجاه أسعار النفط. في حال الإغلاق الكامل، قد تتجاوز الأسعار 120 دولاراً، وربما تصل إلى 150 دولاراً أو أكثر. أما في حالة الإغلاق الجزئي، فستشهد الأسواق ارتفاعات محدودة تقارب 98-100 دولار. في حال نجاح الجهود الدبلوماسية، يتوقع عودة تدريجية للأسعار نحو مستويات 70-80 دولاراً.
الدولار والذهب في ظل الأزمة
يستفيد الذهب من تصاعد المخاطر كملاذ آمن، مما يعكس ترابطاً مباشراً بين الطاقة والعملات والتضخم. أما الدولار الأمريكي، فيستمد قوته خلال الأزمة من عوامل ظرفية، أبرزها "العزل النسبي" للاقتصاد الأمريكي بفضل كونه منتجاً رئيسياً للطاقة. في سيناريو التهدئة، يحافظ الدولار على تماسكه بل ويسجل مكاسب محدودة.
لكن هذا التماسك يظل هشاً، إذ يبدأ في التآكل مع استمرار التوترات، وتظهر "الندوب الخفية" في الثقة العالمية تجاه السياسات الاقتصادية الأمريكية، بالتوازي مع صعود بدائل مثل اليوان الصيني. في سيناريو التصعيد الأوسع، ترتفع قوة الدولار بفعل الطلب العالمي على السيولة، لكن هذا يعكس حالة ذعر أكثر من كونه مؤشراً على متانة اقتصادية.
