بالتزامن مع استعداد أمازيغ شمال إفريقيا لتخليد ذكرى “الربيع الأمازيغي” أو “تفسوت إيمازيغين”، جددت فعاليات أمازيغية بالمغرب دعوتها إلى تفعيل المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، من أجل تحقيق العدالة اللغوية والثقافية والمساهمة في تنزيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية وإخراجها من عزلة النصوص. واعتبرت هذه الفعاليات أن تفعيل المجلس سالف الذكر ليس ترفًا إداريًا أو مؤسساتيًا؛ بل ضرورة لإرساء مبدأ الإنصاف اللغوي وتجاوز مرحلة الشعارات التي طالما ميزت تعاطي الفاعل الحكومي مع ملف الأمازيغية.
وعلى الرغم من صدور قانونه التنظيمي منذ أكثر من خمس سنوات، فإن المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية لم يرَ النور بعد؛ وهو ما اعتبرته الفعاليات الأمازيغية التي تحدثت لجريدة هسبريس الإلكترونية في هذا الشأن تقاعسًا في تنفيذ الالتزامات الدستورية تجاه هذه اللغة الرسمية، خاصة أن هذا المجلس هو الذي سيتولى اقتراح التوجهات الاستراتيجية للدولة في مجال السياسات اللغوية والثقافية، والسير على انسجامها وتكاملها، لا سيما ما يتعلق بحماية وتنمية اللغتين الرسميتين للبلاد.
وعي أمازيغي
في هذا الإطار، قال عبد الله بوشطارت، عضو مجموعة الوفاء للبديل الأمازيغي، إن “الأخيرة تحاول جعل الأمازيغية حاملةً لمشروع مجتمعي متكامل. لذلك، تقوم بعمليات ومبادرات تواصل ونقاش مع الأطراف المعنية داخل الحركة الأمازيغية ومحيطها، ثم أيضًا تقوم بمواكبة الشؤون والقضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتداول فيها؛ عبر إصدار بيانات وبلاغات تلخص وجهة نظرنا كمجموعة سياسية فاعلة داخل المجتمع المغربي، تُقارب الأمازيغية على ضوء السياسات العمومية للدولة”.
وأوضح بوشطارت، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “المجموعة، إذ تُثمن التغييرات الحاصلة على رأس بعض مؤسسات ومجالس الحكامة وحقوق الإنسان والتعليم، فإنها ترى من الضروري الانفتاح على النخب ذات الكفاءة داخل المجتمع بمرجعيات مختلفة، حيث لوحظت هيمنة وتناوب شخصيات تنتمي إلى بعض التيارات السياسية والحزبية؛ لأن القضية الأمازيغية تعرف انحباسًا مؤسساتيًا بالرغم من دسترتها”.
في هذا الصدد، طالب الفاعل المدني ذاته بـ”إخراج المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية الذي صدر قانونه التنظيمي منذ سنوات”، مؤكدًا على “الاستعداد لاحتفالات تفسوت، التي تُعد فرصة لرصد واقع الحقوق الأمازيغية ومطالبها في بلدان شمال إفريقيا وتطور الخطاب الأمازيغي في هذه الأقطار وما يعتمل بها، لا سيما بعد موجة القمع الشديد والاعتقالات السياسية والتعسفية التي يشنها النظام الجزائري في حق المناضلات والمناضلين الأمازيغ في منطقة القبائل، وأيضًا الأوضاع القاسية التي يعيشها أمازيغ الصحراء في أزواد وغيرها من المستجدات الإقليمية المرتبطة بتطور الوعي الأمازيغي في بلدان شمال أفريقيا”.
عائق كبير
من جهته، أورد رشيد بوهدوز، المنسق الوطني لـ”أكراو من أجل الأمازيغية”، أن “عدم تفعيل المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية يشكل عقبة حقيقية أمام الإدماج الفعلي للغة الأمازيغية في مجالات الحياة العامة. فعلى الرغم من الجهود السياسية المستمرة والترافع الذي نقوم به، فإن غياب مؤسسة منسقة وموحدة على مستوى جميع القطاعات يظل العائق الأكبر أمام تحقيق الأهداف المنشودة”.
وشدد بوهدوز، في تصريح لجريدة هسبريس، على أن “المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية كان من المفترض أن يكون المؤسسة الضامنة والمنسقة بين جميع الأطراف المعنية بتفعيل الأمازيغية في جميع المجالات؛ لكن في ظل غياب هذه المؤسسة الفاعلة، تظل الجهود مشتتة وغير منسقة، وتفقد العديد من المبادرات تأثيرها الفعلي”.
وفي هذا الصدد، أبرز المنسق الوطني لـ”أكراو من أجل الأمازيغية” أن “غياب التنسيق بين الوزارات والمؤسسات المختلفة، والدور غير الفعّال للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، يؤدي إلى تباطؤ عمليات تفعيل الأمازيغية؛ وبالتالي يظل حضورها في الحياة العامة ضعيفًا، ولا يتناسب مع مكانتها الرسمية في الدستور ومع الإرادة الملكية بهذا الخصوص”.
وبيّن المتحدث أن “تفعيل المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية هو السبيل الوحيد لضمان التنسيق والتكامل بين مختلف القطاعات في الدولة، سواء كانت حكومية أو غير حكومية”، مسترسلًا أن “هذا المجلس يجب أن يكون الجهة المكلفة بوضع سياسات لغوية واضحة ومتكاملة، تتماشى مع تطلعات الشعب المغربي وتحقق العدالة اللغوية والثقافية، حيث لا تبقى الأمازيغية مجرد لغة تحمل رمزية دستورية؛ بل تتحول إلى لغة حية تُستخدم في جميع مناحي الحياة اليومية وتنال مكانتها كأساس للهوية المغربية المتفردة”.
واعتبر بوهدوز أنه “من الضروري أن يعمل المجلس على إدماج الأمازيغية في النظام التعليمي بشكل كامل؛ بدءًا من التعليم الابتدائي وصولًا إلى الجامعات، مع توفير المناهج الدراسية والكتب المدرسية، وتدريب الأساتذة المتخصصين، مع ضمان تطبيق القوانين المتعلقة بالأمازيغية على أرض الواقع ومتابعة تنفيذها بشكل فعّال لضمان نتائج ملموسة، وممارسة الرقابة والتقييم والمحاسبة في حق أي إخلال بالقوانين”.
وسجل الناشط الأمازيغي ذاته أن “التفاوت بين الاعتراف الرسمي بالأمازيغية وصعوبة إدماجها فعليًا في المنظومة الحياتية للمجتمع المغربي، وخاصة في التعليم، ليس مجرد مسألة تقنية أو إجرائية؛ بل هو نتيجة لعوامل سياسية وثقافية هيكلية عديدة، تُعاكس التوجه الدستوري، وتُظهر تباينًا واضحًا بين الإرادة الملكية السامية ورغبة الكثير من الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين في تفعيل هذه الإرادة”.
طابع استراتيجي
في سياق مماثل، أوضح حميد بوهدا، محامٍ وناشط أمازيغي، أن “الثابت من الممارسة الفعلية للدولة، وبشكل خاص للحكومة، أنها لم تُغيّر كثيرًا من توجهاتها في التعامل مع اللغة والثقافة الأمازيغية؛ ذلك أن أوضاعهما في الإدارة والمدرسة وجميع المرافق ذات الأولوية لم تتحسن، وبقي الوضع كما هو عليه قبل إقرار دستور 201″، لافتا إلى أن “من أوضح تجليات هذا الثبات هو عدد الساعات المخصصة للإعلام الناطق بالأمازيغية، ووضع هذه اللغة داخل المنظومة التعليمية المغربية”.
وتابع بوهدا، في تصريح لهسبريس، بأن “الأمازيغية في تراجع مستمر في السياسات العمومية رغم وجود قوانين تُلزم الدولة بإفراد الأمازيغية بوضعية قانونية أرقى وإقرار ميزانية مهمة لها”.
وفي هذا الصدد، شدد المتحدث نفسه على أن “الحكومات المتعاقبة لم تحترم التزاماتها الدستورية، ولم تساهم بأي مجهود واضح في إخراج الأمازيغية من أزمتها في السوق اللغوية والثقافية الوطنية والدولية”.
وأكد أن “وضعية الأمازيغية تزداد هشاشة في ظل شروط منافسة غير متكافئة في السوق اللغوية والثقافية الوطنية بينها وبين اللغة العربية واللغات الأجنبية الأخرى؛ فضلًا عن تجميد تفعيل القانون التنظيمي للمجلس الوطني للغات والثقافة رقم 04/16، الذي حرم الحكومة والدولة من إنتاج تصور حول سياسة لغوية وثقافية منسجمة ومتكافئة، خاصةً أن لهذا المجلس طابعًا استراتيجيًا في هذا الشق، نظرًا للمهام المسندة إليه بمقتضى المادة الثالثة من القانون المذكور”.
0 تعليق