أهمية باب المندب في معادلة الإمدادات العالمية
يعد مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، أحد أهم شرايين التجارة الدولية للطاقة. وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن هذا الممر الحيوي يشهد عبور ما بين 5 إلى 6 ملايين برميل من النفط يومياً، وهو ما يمثل قرابة 9% من إجمالي النفط المتداول بحراً على مستوى العالم. بالإضافة إلى ذلك، يمر عبر المضيق نحو 8% من شحنات الغاز الطبيعي المسال، مما يجعله نقطة اختناق استراتيجية في سوق الطاقة العالمي.
تزداد أهمية هذا الممر في ظل الاضطرابات الحالية، خاصة مع تراجع التدفقات عبر مضيق هرمز. وأوضحت وكالة الطاقة الدولية أن الحرب في الشرق الأوسط أدت إلى تعطل ما يقارب 20 مليون برميل يومياً من الإمدادات، مع خفض إنتاج دول الخليج بنحو 10 ملايين برميل يومياً نتيجة صعوبات التصدير وامتلاء المخزونات. وفي هذا السياق، أصبح البحر الأحمر وباب المندب مساراً أكثر أهمية لتعويض جزء من التدفقات المتعثرة، حيث لجأت دول مثل السعودية إلى نقل صادراتها عبر موانئ البحر الأحمر، وعلى رأسها ينبع.
التوترات الحالية وتأثيرها على سلاسل الإمداد
تفاقمت التوترات الإقليمية عقب تعثر الجولة الأولى من المفاوضات بين طهران وواشنطن، مما انعكس على الممرات البحرية. اتجهت إيران إلى فرض رسوم مرور على السفن العابرة في مضيق هرمز، في خطوة اعتبرت محاولة لاستغلال موقعها الجغرافي كأداة ضغط اقتصادي ضد العقوبات. ردت الولايات المتحدة بفرض حصار بحري على حركة الملاحة في المضيق لتقييد قدرة طهران على استخدام الممر كورقة تفاوضية، مما زاد من اضطراب الأسواق ورفع مستويات المخاطر الجيوسياسية.
أشارت تقارير إلى أن إيران لوحت، عبر شركاء إقليميين، بقدرتها على التأثير في حركة الملاحة داخل مضيق باب المندب، في إطار استراتيجية تهدف إلى توسيع نطاق الضغط الجغرافي. وأكد الدكتور ثروت راغب، أستاذ هندسة البترول والطاقة، أن حركة النفط تعتمد على المرور المتكامل عبر هرمز ثم باب المندب وصولاً إلى قناة السويس، مما يجعل أي خلل في أحد هذه الممرات مؤثراً على المنظومة بالكامل. وأوضح أن أي اضطراب في باب المندب سيجبر ناقلات النفط على تغيير مسارها عبر رأس الرجاء الصالح، وهو طريق أطول يزيد زمن الرحلة بنحو أسبوعين، ويرفع تكاليف الشحن والتأمين بشكل ملحوظ، مما يضغط على سلاسل الإمداد ويرفع التكلفة النهائية للنفط.
توقعات أسعار النفط في ظل سيناريوهات التصعيد
يحذر الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد معطي من أن تحول التهديدات في منطقة باب المندب إلى إجراءات فعلية، مثل إغلاق المضيق أو استهداف منشآت وموانئ نفطية، قد يدفع أسعار النفط للقفز سريعاً لمستويات تتراوح بين 120 و130 دولاراً للبرميل. وفي حال اتساع نطاق التصعيد أو استمرار تعطيل الإمدادات، قد تصل الأسعار إلى 150 دولاراً، خاصة في ظل محدودية البدائل وصعوبة تعويض الكميات المتأثرة بسرعة.
وتعزز هذه التقديرات ما تشير إليه وكالة الطاقة الدولية من أن استمرار تعطل الإمدادات، حتى مع استخدام الاحتياطيات الطارئة التي تم ضخ نحو 400 مليون برميل منها في السوق، يظل عاملاً ضاغطاً على الأسعار. وفي ظل ترابط هذه الممرات، فإن أي اضطراب في باب المندب لا يمثل أزمة منفصلة، بل حلقة ضمن سلسلة ممتدة من الاختناقات التي تعيد تشكيل تدفقات الطاقة وتدفع الأسواق إلى تسعير المخاطر بشكل أوسع.
